فتش عن اللغة! وراء كل شعب عظيم، أم ّكانت تناغيه! و”الناغِيَة” هي الكلمة. والكلمة “ظاءرت”[1]، تفصمك عن أم ولدتك تربى على عينها، لترضعك مناغاتها وتنشئك على لسانها، كما كان دأب “العربية” وديدانها!

إن “الرضاعة العربية” ساهمت، من بين من ساهموا، في تدعيم محاولات إعادة إنشاء إحدى اللغات “الأم” الإفتراضية (النظرية)، المسماة ’نوستراتيك‘ Nostratic، التي تحدثت بها الشعوب قبل أن تتميز عن بعضها البعض، ربما، لغة وجنسا.

المفردة الإنكليزية “to milk” والتي تعني: “يحلب”، (“milk”: “حليب، لبن”)، تعود بأصولها إلى المفردة: “melg”، التي تم إعادة “صياغتها” (تركيبها) في اللغة الإفتراضية “الهندو-أوروبية-البدئية” Proto-Indo-European [من المرجح أن تاريخها يعود إلى 6000 سنة]؛ وأيضاً، ما تم إعادة صياغته من مفردات في اللغة الإفتراضية “الأورالية-البدئية” Proto-Uralic على شاكلة: “malge”، تعني: “ثدي، نهد”. إن مما يؤكد الأصل الواحد للغات، بحسب “النوستراكيين”، هو أن المفردة العربية: “mlg”، تعني، كذلك: “يَرضع، يُرضع” (to suckle).[2]

لو رجعنا، على عجل، للقاموس العربي، فيما يتعلق بالجذر <ملج> (mlg)، لوجدنا أن: “مَلَج الصبيُّ أمَّه”، تعني: “تناول ثديها بأدنى فمه فرضعها”، و”أملجه: أرضعه”، و”المليج” هو: “الرضيع”. أيضاً، نجد أن: “مَلَق الولدُ أمَّه” تعني: “رضعها”، في الجذر <ملق> (mlq). لم تتوقف العربية عن “الإرضاع” عند هذا الحد من المفردات التي تبدأ بحرفي: “م+ل+…”، إذ نجد أن: “مَلَع الفصيلُ أمَّه”، معناها: “رضعها”، حتى “المِلْح”، فإن من معانيه : “الرَضَاع”، كذلك! إن من بين كل هذه اللغات الإفتراضية (النظرية) التي “أرضعت”، و”رضعت” من “لغتها الأم” التي كان متحدثوها صيادين-جناة (جني الثمرات)—بحسب منظري ’النوستراتيك‘—منذ ما يقارب 15000 سنة، نجد أن “العربية” ما زالت لغة محكية!

كيف لأناس أن تكون لهم لغة محكية لكن غير مكتوبة [أحرار]! أو أن شعباً اقتبس للغته حرفاً للكتابة بعد أن كان أميًّا! أو أتى من وضع له كتابة الحرف بعد إمعان في التفكير والتقاط لإلماعة الخاطر! [عبيد؛ من علمني حرفاً…]

من بين اللغات التي ما زالت “أميّة” (غير مكتوبة): لغة ’كورو‘ Koro في الهند؛ لغة كانت، حتى العام 2010، لغة ضائعة! تم إكتشافها، مثل كل المكتشفات، من قبل أحد مشاريع ’ناشينال جيوغرافيك‘ National Geographic’s Enduring Voices Project، في ’أروناتشال براديش‘ Arunachal Pradesh حيث ما زالت “برداً على أكباد” ما بين 800 إلى 1000 كائن بشري. وأيضاً، تم اكتشاف لغة ’جيجو‘ Jeju، التي لا يتجاوز عدد متحدثيها العشرة آلاف نسمة، في جزيرة ’جيجو‘ من جمهورية ’كوريا‘.[3]

’كورو‘، إذن، هي لغة كانت ثانية اثنتين في غياهب الزمان والمكان، وقد تم “اكتشافها”! مثل أي اكتشاف لنوع جديد من “البطاطة” البرية—تصوّر يرعاك الله!—في “بلاد البطاطة”، ’البيرو‘، من قبل عالم—لا أذكر ما إسمه، إذ أن المصدر هو “التلفاز”—ما زال يبحث ويفتش عن المزيد منها، من أجل تحسين “جينات” نسل “بطاطتنا”، فتكون “قَيْظِيّة”[4]؛ إحتياطاً منه لما قد تصاب به أرضنا من نتائج مستقبلية للدفيئة التي يقدر علماء المناخ أنها سوف تغمرنا بدفئها، وربما غمرتنا، كما تحتضن بقيظها ’الزهرة‘، “شقيقة” ’الأرض‘. فليطمئن أهل ’إيرلندا‘، لن تتكرر “مجاعة البطاطة” بعد اليوم، كما حدث في أربعينيات القرن السابع عشر.

إن شعوباً تفتخر بلغتها وتاريخها وتعتز بقوميتها، وبعرقها لولا الخجل من ’هتلر‘ والخوف من لومة اللائمين، قد إقتبست للغتها حرفاً مكتوباً! ’الفرس‘ بكل امبراطورياتهم “الشاهنشاهية” (ملك الملوك) الكسروية العريقة [ليست العرقية؛ «ينبغي اعتبار ظهور الأسرة الصفوية (1486-1724م) من أهم الحوادث في تاريخ إيران الذي يمتد آلافا من السنين، ولعلنا يمكن أن نعد الحكومة الصفوية أعظم حكومة إيرانية بعد الإسلام؛ […]، فإن الحكومة الصفوية تمثل أول حركة ظهرت بهدف إيجاد دولة مستقلة استقلالا كاملا (وحتى مذهبيا) باسم إيران وتحت حكم العرق الإيراني»[5]]، و’الأتراك العثمانيون‘ الذين حكموا البلاد و”تسلطنوا” عليها [ليس طرباً؛ “سلطان الروم والعرب”]، لم يبدعوا حرفهم المكتوب [كلمة “حرف” في اللغة الفارسية تعني: “كلام”[6] أما “اللغة” فهي: “زبان”] بل اقتبسوه! منهم من رضي به ومنهم من لم يرض. [كيف أن أهل ’الصين‘ كانوا—وربما ما زال البعض—يكتبون (يرسمون) حرفهم—إن جاز القول—حتى يرضى عنهم ويرضوا عنه! والحرف العربي ليس ببعيد عن الفن والإبداع.]

ترعرع الأدب الفارسي وتطور في ظل رعاية مراكز متعددة تولت زمام الأوضاع السياسية بعد ’تيمورلنك‘، الذي بدأت تنهار إمبراطوريته مع موته، العام 1386. ومن أعظم ميادين الأدب الفارسي خارج ’إيران‘ كانت ’الهند‘ و”الدولة العثمانية”.[7]

«إذا كان العصر التيموري لم يقدم أي عمل رائع في ميدان الشعر، فإنه كان ذا ضعف ونقص في ميدان النثر أيضا.» «إن الميزة الجامعة لنثر هذا العصر، بشكل عام، هي عدم الإبداع في اللغة […].» والكلمات العربية في نثر هذا العصر هي «أقل بكثير من القرون القديمة. والشعر العربي والاستشهاد والتمثيل وذكر الأمثلة نادرة جدا، […].» «فقد ضم نثر هذا العصر مجموعة جديدة من الكلمات المغولية والتركية، وفي الحقيقة يجب القول إن الكلمات المغولية التي بدأ شيوعها في الأدب الفارسي منذ القرون السابقة أصبحت أكثر رواجا في هذا العصر، وبدأت في الحلول مكان الكلمات الأخرى إلى حد كبير.»[8]

أما في عصر الأسرة الصفوية (1486-1724)، «فلقد وفق الملك إسماعيل الصفوي (1484-1509) […] في دحر جميع […] القوى الداخلية والخارجية (مثل الدولة العثمانية) وأسس حكومة شاملة.» «بما أن الصفويين كانوا قد انطلقوا من أذربيجان التي كانت قبلت اللغة التركية في عهد ظهورهم (اللغة الأذربيجانية كانت فرعا من اللغة الفارسية القديمة باسم الأذرية وقبل اللغة التركية) [البعض يرد الصفويين إلى أصول تركية[9]]، فإنهم كانوا يتكلمون باللغتين الفارسية والتركية. ولأن جنودهم قد انتخبوا من بين متحدثي التركية ولأسباب أخرى أيضاً، فقد أصبحت اللغة التركية لغة البلاط الصفوي، ومع ذلك فإن جميع آداب هذا العصر، سواء الشعر منها أو النثر كان يكتب باللغة الفارسية، باستثناء بعض الأشعار التي كتبت باللغة التركية، […]»[10]

«والواقع أن الأتراك قد أحبوا الثقافة الفارسية، واستعملوا اللغة الفارسية في المؤلفات التركية في أول مراحل دولتهم. ونلاحظ أنهم عندما بدأوا في تدوين تاريخهم بصورة منتظمة في عهد الخلافة العثمانية، كتبوه باللغة الفارسية لكونها لغة الثقافة في ذلك الوقت، مما يمكننا القول معه بأن العثمانيين كانوا أتراكاً في جنسهم فارسيين في ثقافتهم.»[11]

بعد أن أصبح ’الأتراك‘ أتراكاً من غير “عثمان” [’عثمان‘ الأول (1281-1324)]، في ’تركيا‘ الحديثة، وجد ’مصطفى كمال أتاتورك‘ (1881-1983)، في حملة تجديده، أن عليه إصلاح لغته التركية (توركتشيه Türkçe) وتنقيتها، وهي، بالطبع، ليست تنقية عرقية [هوس بالنقاء اللغوي، purism]! تأسست تحت رعايته، في العام 1932، ’جمعية التدقيق في اللغة التركية‘ Türk Dil Tetkik Cemiyeti، ما يعرف اليوم باسم ’مجمع اللغة التركية‘ Türk Dil Kurumu (TDK)—الإسم القديم ينم عن أصل ألفاظه العربية: Cemiyeti جمعية، Tetkik تدقيق—للتخلص من عربية اللغة التركية (العثمانية) وفارسيتها وفرنسيتها، وإلى ما هنالك من خليط لغوي تمثلته لغتهم على مر الزمان وسعة المكان، واستبدال الدخلاء من المفردات بكلمات جديدة مشتقة من جذور لغة “الترك” ولو كانت قد أكل الدهر عليها وشرب، وذلك، أيضاً، إحياء لها. إنشرخ الشعب التركي، إلى حد ما، نتيجة لذلك، بين جيل الشباب الذي اختلفت مفردات لغته وجيل ما قبل العام 1940 الذي أبقى على لغته “التركية العثمانية” بعربيتها وفارسيتها، ومنهم كان ’مصطفى كمال‘ نفسه، حتى أن خطابه في البرلمان الجديد، العام 1927 أي قبل عام من اقتباس الحرف اللاتيني وهجر الحرف العربي، تمت ترجمته من اللغة التركية إلى اللغة التركية، في العام 1963 وأيضاً العام 1986 ومن بعدها، مرة أخرى، في العام 1995، إذ بدت لغة الخطاب غريبة على مسامع الأجيال المتعاقبة.

في المسلسلات التلفزيونية السورية القديمة، كثيراً ما كنا نسمع أن “النظارات” (“العوينات”) تسمى “كُزْلُك”، هذه التسمية هي تركية الأصل؛ ما زالت مستخدمة أو بالأحرى مفهومة في ’الشام‘ وبعض المناطق اللبنانية وربما مناطق أخرى. نجد أن “النظارات” هي من “النظر” و”العوينات” من “العين”. الأصل في التسمية “كُزْلُك” (“كوزلوك”) gözlük (göz+lük) هو اشتقاقها، في اللغة التركية، من الإسم göz الذي، أيضاً، يعني: “عين”. لا تخرج اللغة الإنكليزية، مثلاً، عن “إلصاق” “العين” Eye و”الزجاج” Glass لتنحت التسمية Eyeglasses؛ واللغة التركية هي بطبعها من اللغات “الإلصاقية” (“Agglutinative”، مصطلح أدخله ’فيلهلم فون هومبولت‘ Wilhelm von Humboldt في العام 1836).

’جرجي زيدان‘ (1861-1914)، الأديب والمؤرخ اللبناني وأحد رجالات النهضة العربية، قسم اللغات—بحسب فيلولوجيّ عصره—باعتبار درجات “تهذيبها” إلى: “مرتقية” و”غير مرتقية”. «وهذه الأخيرة تتضمن أدنى اللغات بياناً وابسطها الفاظاً […]» [بالطبع، لم يعد مقبولاً، اليوم، مثل هذا التصنيف ومثل هذه الاحكام!] «أما المرتقية […] فتشتمل على لغات العالم المتمدن وتُقسم تبعاً لقابليتها للتصريف والاشتقاق إلى “متصرّفة” و”غير متصرّفة” وهذه الأخيرة تشتمل على اللغات الطورانية منها الفروعُ التركية […]»«ومن أهم صفات اللغات المرتقية “الغير متصرّفة” كونها مؤلفة من اصول جامدة لا تقبل التغيير في بنائها مطلقاً وان الاشتقاق يقوم فيها بالحاق ادوات لا معنى لها في نفسها في اخر تلك الاصول التي يجب حفظها بدون ادنى تغيير مثال ذلك لنا في التركية “ياز” وهو الاصلُ الدالّ على معنى الكتابة فيصيغون منهُ فعلاً ماضياً بالحاق “دي” في اخره فيقولون “يازْدي” كتَبَ ثم اذا قصدوا الماضي السابق يضيفون “دِي” اخرى فيقولون “يازْدِيدِي” اي كان قد كتب واذا ارادوا الجمع اضافوا أَداتهُ “لرْ” فقالوا “يازْدِيديلرْ” كانوا قد كتبوا ثم اذا ارادوا النفيَ أدخلوا أَداتهُ بين الاصل وما اضيف اليهِ فقالوا “يازْمدِيدِلرْ” اي ما كانوا قد كتبوا وهكذا بين طلبٍ وتمنّى واستفهامٍ بحيث تبلغ هذه الالحاقات العشرة عدّاً مع بقاء الاصل الفعلي على بنائِه في اول اللفظ.»[12]

قد نجد في الإنكليزية أن من مفرداتها الطويلة (sesquipedalian)، وربما أطولها، هي المفردة: floccinaucinihilipilification التي يعرّفها “قاموس أوكسفورد الإنكليزي” بأنها من الكلمات النادرة التي تعني: “تقدير أو تصنيف الشيء على أنه لا قيمة له أو تافه مبتذل”.

أما في اللغة التركية فإن بالإمكان إيجاد كلمة مثل: Çekoslovakyalılaştıramadıklarımızdanmışcasına وهي مفردة واحدة تعني على وجه التقريب: “كأنك واحد من هؤلاء الذين لم نستطع جعلهم يشبهون الشعب التشيكوسلوفاكي”. أو كلمة أطول من الأولى: muvaffakiyetsizleştiricileştiriveremeyebileceklerimizdenmişsinizcesine لكن معناها—ليس الحرفي—يتعلق بمن لا يثقف الناس من أجل أن يجعلهم غير ناجحين. تصور—أطال الله عمرك—صورة للكلمتين ورسما لهما في الكتابة بالحرف العربي، مثلاً! على الأخص بأحد أنواع الخطوط العربية المسمى خط ’الرقعة‘ الذي سمعت أن واضعيه هم “الأتراك العثمانيون” أنفسهم، ومنه في دواوينهم الخط ’الديواني‘ برشاقته ومَيله وسِعة مدّاته [ربما هي خطوط تركية مقابل “الخط الفارسي” (’التعليق‘ أو ’النستعليق‘)]، و”الطُغْرى” أو “الطُغْراء” السلطانية (الطُرّة) هي أشهر من نار على علم.

هناك لفظة عامية قديمة كنت أسمعها في من كبار السن، نسيت ظروف استخدامها، لكني اعتقدت لوهلة، ومن وراء غشاوة النسيان، أنها تتعلق بأثواب القماش، وذلك عند القول: “مدّ يَطَق أو يَطَقين” (عامية). عند استفساري بسؤال من قد يتذكر، من الناس، معنى كلمة “يَطَق”، بلفظها العامي “يطأ”، تبين لي أن معناها قديم ولم يعد يستعمل وهو: “غطاء السرير”، أي: “الكوفرلي” في عصرنا، Couvre-lit، وهي لفظة “نصف إلصاقية” في الفرنسية وتامة “الإلصاق” في الإنكليزية، bedspread (bed+spread)، على سبيل المثال. أما في التركية فإن “يَطَق” (“يَتَك”) yatak (yat+tak) تعني “سرير”، وهي مشتقة من الفعل yat- (عمليا yatrmak في حالة الفعل غير المصرّف) الذي يعني: “إضجع” أو “تمدد” أو “استلقى”. عند استعراض’ستيفن بينكر‘ Steven Pinker لفقر اللغة الإنكليزية بالأشكال (التصريف، الصيغة) التي يتخذها الفعل ، قارنها، في كتابه المسمى “الغريزة اللغوية”، مع ما يقارب 50 من الأشكال التي يتخذها الفعل في الإيطالية الحديثة والإسبانية و350 في اليونانية الكلاسيكية، أما اللغة التركية فإن لها من الأشكال للفعل: 2 مليون![13]

من جميل ما تستحدثه اللغات من تسميات، عند المقارنة، أننا نظرنا، مثلاً، إلى بعض الأبراج، مثل ’برج بابل‘ النمرودي، على أنها “ناطحة”، “ناطحات السحاب”، والأميركي أو الإنكليزي رآها “حكاكة” السماء، skyscraper (sky+scraper)، والفرنسي قلد الإنكليزي بنسخ المعنى حرفياً، Gratte-ceil؛ أما التركي فلم يرض إلا أن تكون “باخشة” (“ثاقبة”) السماء، gökdelen (gök+delen)، فإن gök هي “سماء” والفعل del- يعني “ثقب” أو “خرق”. فلربما كانت أبراج ’الأتراك‘ هي الأعلى، إذ “خرقت السماء”! أما أبراج الإنكليز فقد احتكت بها احتكاكا و”كشطتها”، أما العرب “المساكين” فإن أبراجهم بالكاد وصلت السحاب، لكن (انتبه!) “نطحاً”! على كل حال، ربما كان منبع هذا التواضع، من جانب العربان، قبل ’برج العرب‘، أن التطاول في البنيان: من علامات “الساعة”، كما جاء في بعض “الأثر”.

منذ فجر الحضارة، عبد البشر الشجر، من “غصن ’جيمس فريزر‘ الذهبي” حتى آخر شجرة قطعها ’عمر‘، مخافة عبادتها إذ حصلت تحتها “بيعة الرضوان”، عام ’الحديبية‘، سنة ست للهجرة. [14] إلا أن شجرة قد “علّمت” الحرف للبشر، إنها شجرة ’السِكوُيا‘ Sequoia الجبّارة!

لست أدري لماذا ترجم “قاموس المورد” (الإنكليزي – العربي)، لواضعه ’منير البعلبكي‘، إسم الشجرة: Sequoia في الإنكليزية، إلى: ’الجبارة‘ في العربية؛ وليس “العملاقة” أو “العاتية”، أو ببساطة: “السامقة”، مثلاً! ولماذا أعتبر التسمية من أصل لاتيني! القاموس يعرّفها بأنها «شجر كاليفورنيّ فارع الطول من الفصيلة الصنوبرية يزيد ارتفاعها أحياناً على ثلاثمائة قدم [90 متر].»

أن سبب تسميتها في العربية: “الجبارة”، ربما آت من التعبير العربي القائل: «نخلةٌ جَبّارة»، أي: «هي العظيمة التي تفوت يد المتناول»، من: «الجبّار العالي فوق خلقه»، أو: «جبّار النخل»، من: «الجبار في صفة الله عز وجل الذي لا يُنالُ». «الجبّار من النخل ما طال وفات اليد»، «ونخلة جبّارة أي عظيمة سمينة». «الجبّار: العظيمُ القَويُّ الطويلُ»… (’ابن منظور‘، “لسان العرب”، مادة <جبر>)

لذلك نجد “قاموس المنجد في اللغة العربية والأعلام” (بيروت، دار المشرق) يعرّف “الجبارة” (في علم النبات): «أشجار حرجيّة من فصيلة الصنوبريّات تعدّ من أكبر الاشجار المعروفة. قد يتجاوز طولها مئة متر. ينحصر وجودها في بعض الأماكن من «الجبال الصخرية». وهي سريعة النمو وجميلة المنظر.»

لست أدري إن كان “قاموس المنجد” يصف “’الجبارة‘ الكاليفورنية” على وجه التحديد، إذ أن ’الجبارة‘: هو إسم “جنس” (genus name) من الأشجار، أي في التصنيف العلمي: هو ما تحت “فصيلة” (family) وما فوق “نوع” (species).

“قاموس أوكسفورد الإنكليزي المختصر” يعيد، أيضاً، أصول تسمية sequoia إلى اللاتينية الحديثة! ذلك، ربما، لأنها دخلت مصطلح التسميات في مملكة النباتات، كما هي العادة المتبعة في التصنيفات العلمية التي تعود بأصولها إلى عالم النبات السويدي ’لينايوس‘ Carl Linnaeus (1707-1768).

مما يبدو أنه قد ساعد على ترجمة التسمية في العربية هو تقاطع مفهوم “النخلة الجبّارة” مع التسمية العلمية لأحد أنواعها في اللاتينية: “Sequoiadendron gigantenum” أي:”شجرة السِكوُيا الجبارة / العملاقة” (“dendron” في اللغة اليونانية تعني: “شجرة”، ومنها فإن علم الأشجار هو: “dendrology”)؛ وغالباً ما يقال في الإنكليزية: “giant sequoia”، عند ذكر الشجرة بصفتها (بعض القواميس، مثل: “Merriam-Webster”، تعتبره بحد ذاته إسماً)، أي: “’السِكوُيا‘ العملاقة / الجبّارة”. هي أشجار، في ’كاليفورنيا‘ California و’أوريغون‘ Oregon، ذات خشب أحمر (redwood)، بعضه يُستخرج منه صباغ أحمر.

لكن “قاموس أوكسفورد المختصر” يعقّب بأن تسمية الشجرة [هنا مربط الفرس!] أتت، في الأصل، من Sequoya، إسم الشخص “الهندي” (الأحمر)، من شعب ’الشيروكي‘ Cherokee Indian، الذي اخترع “الكتابة المقطعية الشيروكية” Cherokee syllabary.

إن ’الشيروكي‘ هو من آواخر الشعوب، وليس بآخرها، الذين اتخذوا للغتهم حرفاً مكتوباً، ولو كان مقطعياً؛ إذ أن مبدعه، ’سِكوُيا‘ Sequoya، كان أميّاً، صائغاً للفضة silversmith (وأيضاً، صائغاً للحروف) [لا تقتصر “smith” على الحدادة أو صياغة المعادن، في اللغة الإنكليزية، فهناك “صياغة” الأغاني (songsmith) والألحان (tunesmith) وحتى الكلمات (wordsmith)؛ أما “صائغ الحروف” فربما بالإمكان صياغة مفردة جديدة، في اللغة الإنكليزية، تنطبق على ’سِكوُيا‘، هي: “lettersmith”]. إنتهى من وضع “طقم” حروفه في العام 1821، وقد تبنته “الأمة الشيروكية” رسمياً في العام 1825 لكتابة لغتها بعد أن أثبت الحرف جدارته. «هذه كانت المرة الوحيدة في التاريخ المكتوب التي يبدع فيها، بشكل مستقل، فرد من شعب أمي نظاماً كتابياً فعالاً.» (بحسب موسوعة ’ويكيبيديا‘ wikipedia (الإنكليزية)، وهي المرجع هنا في موضوع Sequoyah).

مثل كل قصص الأبطال وحكاياتهم فإن حياة ’سِكوُيا‘ يشوبها الخيال والتضارب و”الفبركة”. يُعتقد أن إسم هذا البطل أتى من الكلمة الشيروكية “siqua” (سيكوا) التي تعني في الإنكليزية “hog” (خنزير في الحالة الإسمية، أما كفعل فإن المراد هو “تقوس الظهر” مثل ظهر الخنزير أو تقوس [قاع السفينة] في الوسط إلى أعلى) إما لعاهة جسدية في طفولته أو لإصابة، في فترة من حياته، تركته معوقاً. أما والده فقد كثرت الأقاويل حوله والتكهنات في من يكون! على الرغم من أن أمه، ’وُتّا‘ Wut-teh، هي ابنة الزعماء من العشائر الشيروكية! تزوج ’سِكوُيا‘ مرتين وبما أن تعدد الزوجات كان شائعاً في شعب ’الشيروكي‘ فإنه قد يكون له، أيضاً، ثلاث زوجات أخريات!

إعتاد ’سِكوُيا‘، بحكم عمله كصائغ للفضة، أن يتعامل مع “البِيض” القاطنين في منطقته، وكان معجباً بكتاباتهم وبشكل خاص: “الأوراق التي تحكي” (رسائلهم). في العام 1809، شرع ’سِكوُيا‘ في وضع نظام للكتابة، وذلك برسم علامة لكل كلمة في لغة ’الشيروكي‘. في هذه الأثناء، ظن أصدقاء ’سِكوُيا‘ وجيرانه أنه قد فقد عقله أو مسّه شيء من الجنون، بعد أن أمضى ما يقارب العام في إنكبابه على ما صمم أن ينجزه، هاملاً بذلك زراعة حقوله؛ فما كان من زوجته إلا أن أحرقت عمله، إعتقاداً منها أنه كان يتعاطى السحر [والعياذ بالله]! بعد ذلك، لم ينجح ’سِكوُيا‘ في مشروعه إلا عندما تنازل عن وضع علامة لكل كلمة مفردة بكاملها، وبدأ العمل على مقاطع اللغة؛ كانت النتيجة أنه انتهى، فيما يقارب الشهر من التدبر والتفكر، إلى وضع 86 من الحروف المقطعية لكتابة اللغة الشيروكية.

لم يجد ’سِكوُيا‘ من قد يرغب في تعلم حروفه، للأسف، فلقنها لابنته ’آيوكا‘ Ayokeh (Ayoka). بعد ذلك، طلب من الزعماء المحليين لشعب ’الشيروكي‘ أن يتفوهوا بكلمات كي يدونها، ومن ثم نادى على ابنته، ’آيوكا‘، لتقرأ وتتلو على مسامعهم ما قد تحدثوا به! حينها، إقتنع الزعماء بما أنجز، وسمحوا له بتعليم حروفه للبعض، الذين سرت الإشاعة حولهم والشبهات بأنهم يتتلمذون على الشعوذة ويتعلمون السحر. إن ’سِكوُيا‘ “لكبيرهم الذي يعلمهم السحر”! لكن، “إن من البيان لسحرا”! إن ارتباط السحر بالبيان قديم، حتى أن اللغة الإنكليزية نفسها تشهد بأن كلمة Grammar (النحو، قواعد اللغة) كانت تعني، فيما تعني، في العصور الوسطى: “الإفتنان، السحر”. بهذا المعنى تم الإشتقاق، في اللغة الإنكليزية من كلمة “grammar”، المفردة: “Grimoire”، التي تعني: “كتاب التعويذات السحرية”، وأيضاً: “Glamour”، التي تعني: “السحر، الإفتنان”، بعد أن حورتها “الإنكليزية الإسكوتلاندية” Scottish English، في القرن الثامن عشر، من لفظة grammar. وكما كان ’سِكوُيا‘ “يعلّم السحر بتهجئة الحروف”، فإن اللفظة الإنكليزية: spell، تعني: “يتهجى” ، وأيضاً، في نفس الوقت، هي تعني: “يسحر”، أو تعني: “رقية، تعويذة، سحر” في حالتها الإسمية!

إن ما يلفت الإنتباه أن شعب ’الشيروكي‘، بعد انتشار الحروف وتبنيها رسمياً، وبمساعدة الإرساليات الأميركية، قد طبع أول صحيفة له (باللغتين الشيروكية والإنكليزية) وأسماها ’الفينيق الشيروكي‘ Cherokee Phoenix. هكذا! دارت الدوائر واكتملت، من مبدعي الحرف: ’الفينيقيين‘، إلى “فينيق” ’الشيروكيين‘!

في ما بين العام 1843 و1845 توفي ’سِكوُيا‘ أثناء رحلة إلى ’مكسيكو‘ Mexico بحثا عن شعبه، ولم يُعرف مكان دفنه؛ لذا بقي ’سِكوُيا‘ هائماً، يجول في البراري باحثاً عن ’الشيروكي‘! تلك هي—باختصار—قصة رجل “هندي أحمر”، (“خنزير، معوّق”)، علّم حرفاً، وشجرة ذات “خشب أحمر”، “جبّارة”، معمّرة ، حملت اسمه، حطّ عليها طير أحمر ذهبي: “الفينيق” الخالد.

لست أدري إن كان من جدوى في المقارنة بين سيرة ’سِكوُيا‘ وأسطورة ’أدونيس‘! لذا غضضت “الأنف” عن “رائحة” التشابه في بعض عناصر القصتين، إذ أن “الخنزير” واضح في الإثنتين، والشجرة التي حملت اسم ’سِكوُيا‘ وكذلك ’أدونيس‘ الذي ولد من أمه بعد أن تحولت إلى شجرة، وهو ابن سفاح قربى، ووالد ’سِكوُيا‘، أيضاً، غير معروف على التعيين، حتى أن ’سِكوُيا‘ نفسه اتخذ زوجتين، وعلى الرغم من تبرير تعدد الزوجات عند ’الشيروكي‘، فإن إحدى نسخ أسطورة ’أدونيس‘ تذكر أن إلهتين قد تنازعتا في عشقه..! لكن لنترك “الهنود الحمر” ولنعد إلى أرض “الفينيق” و”الأرجوان” (أحمر صدفة ’الموركس‘ murex)…

ما اضطررت يوماً لكتابة لغتي التي أحكيها مثلما اضطررت عند الدردشة بواسطة “الإنترنت”، خاصةً مع من لم يمتلك الحرف العربي لوجوده حيث لم يتوفر له “الحاسوب” باللغة العربية، أو لأي سبب آخر.

بعد فترة من الزمن، ولطول المدة التي استخدمت فيها الحرف اللاتيني في الكتابة المباشرة لما أريد أن أحكيه، دون تنافر بين دماغي وأصابعي على مفاتيح الحاسوب، ارتبط في الذهن أن هذه الطريقة من الكتابة هي للغتي التي أحكيها؛ ليس على طريقة كتابة الشعر العامي، مثلاً، أو الأغاني الشعبية مثل “الطقطوقة” القديمة: «هزّي هزّي محرمتك…» ، بل كتابة اللغة المحكية، الفورية، الإتصالية.

اللغة المحكية، الفورية، التلقائية، هي ما أقصد بها، على سبيل المثال، كأنموذج:

إلو ألمو عم بأطش، ما عم بيكتب مزبوط. خليه، إزا فيه، يبعت واحد تاني. بعدان، كل شي عندو ألام، ما طلع معو غير هالألم. ولا ما باعو البياع غيرو. وكمان، خليه يبعتلو شي كام ورأه بيضه، يكونو مناح متل العالم.

ellou alamou 3am bi2a66ech, ma 3am yektob mazbou6. 5allih, iza fih, yeb3at we7ed teni. ba3den, kel chi 3endou 2lem, ma 6ele3 ma3ou ‘3ayr ha-l alam. walla ma be3ou-l beyya3 ‘3ayrou. w-kaman, 5allih yeb3at-lou chi kam war2ah bay’9ah, ykounou mne7 metl-el 3alam.

هذه هي اللغة التي أتحدث بها. هذه هي لغتي. إن اسلوب الكتابة بالحرف العربي لا يناسبها تماماً، فهو يقتطع منها بعض الأصوات والنبرات واللكنات أو يزيد عليها حروفاً لا لزوم لها. وقد تواجه القارئ للحرف اللاتيني والكاتب على السواء—وهي معاناة أخرى—مشكلة تعدد الثقافات. فكيف ستكون الكتابة؟ هل بالتصويت الفرنسي أم بالتصويت الإنكليزي، ناهيك عن التصويت الألماني، مثلاً. هل أكتب “ألمو” (قلمه): “alamou” بالتصويت الفرنسي (اللفظ في الإنكليزية سيكون: “ألماو” أو “ألاماو”) أم: “alamoo” بالتصويت الإنكيزي، أو “alamu”؟

الكاتب الإنكليزي-الإيرلندي المعروف ’جورج برنارد شو‘ (1856-1950)، الحائز على جائزة ’نوبل‘ للآداب عام 1925، قاد حملة نشطة لأصلاح “الألفباء الإنكليزية”، النظام “غير المنطقي”— بحسب تعبيره—للكتابة! إذ أن بالإمكان تهجئة اللفظ الإنكليزي “fish” (فيش) [سمكة] على أنه “ghoti”—”gh” كما في المفردة “tough” (تاف) [صلب، متين] و”o” كما في “women” (وِيمين) [نساء] و”ti” كما في “nation” (نايشن) [أمّة، شعب]—وعلى هذا المنوال، فإن لفظ “ghoti” سيكون (فيش) “fish”![15]

كل ما في الأمر أنني على يقين أن مثل هذه الكتابة لم تخلق للغتي، على الرغم من أصولها “الفينيقية”؛ لكنه إحساس جميل ومفاجئ أن أعاني، ولو شيئاً من بعيد، مما قد تكونه اللغة التي لا كتابة لها، فلم أكن بمنأى عن عيش الحالة!

“قل له: قلمه خطه يتقطع، لا يكتب جيداً. دعه يبعث، إن استطاع، بواحد ثان. ثم أن من كل الأقلام التي لديه، لم يختر سوى هذا القلم! أم أن البائع لم يبعه غيره. وأيضاً، دعه يبعث ببعض الورق الأبيض، الجيد، مثلما تتصرف الناس”

إن هذه اللغة—رغم ركاكة إعادة الصياغة إذ حاولت تقليد الكتابة الفورية—هي ليست لغتي. هي لغتي بالطبع—فأنا أكتب بها الآن—لكنها ليست هي اللغة التي أحكيها تلقائياً؛ ليست هي لغتي الأم، اللغة التي أنا مليكها (أم هي مليكتي؟). إن لغتي، على ما يبدو، هي لغة أميّة، لا كتابة لها! لكن هل هي لغة، أصلاً، حتى تكتب؟ وإن لم تكن لغة، فما هي إذن؟ وكيف أتحدث بها وأتواصل؟

يبدو أن هذه المشكلة كانت تشغل بال الكثيرين! أقصد مشكلة التواصل باللغة المحكية عن طريق الكتابة الفورية.

عند بحثي عما إذا كان من “ألسنيّين” عرب، في “لائحة الألسنيين” “List of linguists” من الموسوعة الإلكترونية ’ويكيبيديا‘ Wikipedia.org (الإنكليزية)، وجدت إثنين، ربما لشهرتهما العالمية: ’جوزيف عون‘ و’لينا شويري‘ التي لفتت إنتباهي بإختصاصها في “العربية اللبنانية”! ومن باب الفضول، وربما أبعد من الفضول، ما كان مني إلا أن تحولت “أوتوماتيكياً” نحو الإطلاع على ما تقوله الموسوعة عن “العربية اللبنانية”! ليس بالشيء الكثير! لكن الموسوعة تذكر دعوة الشاعر اللبناني ’سعيد عقل‘ لاستعمال “الحرف اللاتيني” في الكتابة، والتي لم تلق القبول في حينها. وتذكر—كما هو واقع الحال—أن اللبنانيين، والكثير من مستخدمي “الانترنت” العرب في غرف الدردشة الإلكترونية، يكتبون ألفاظهم بالحرف اللاتيني بما يشابه “ألفباء ’سعيد عقل‘” مع فارق بسيط هو استخدام الأرقام بدل الحروف غير الموجودة في الخط اللاتيني. وأيضاً، تعلن لنا الموسوعة أنه في العام 2010، أصدر ’معهد اللغة اللبنانية‘ “طقم” حروف للمفاتيح “اللبنانية”، مما يسهّل الكتابة الإلكترونية للغة اللبنانية بالخط اللاتيني!

’معهد اللغة اللبنانية‘؟ جميل! عند التحول إلى موقعه (باللغتين الإنكليزية والإسبانية) من خلال الرابط الإلكتروني lebaneselanguage.org نجد عند تصفح الموقع أن المعهد هو منظمة غير ربحية، أسس في أميركا، يعنى بتزويد المصادر والوسائل لتعليم “اللغة اللبنانية الحديثة” حول العالم. ’معهد اللغة اللبنانية‘ The Lebanese Language Institute (LLI) (م.ل.ل) يعمل على تنمية وتوسعة المعرفة باللغة اللبنانية والحفاظ عليها من خلال فهم تاريخها وقواعدها ومفرداتها، ويعمل على خلق مجال (فضاء) لزيادة ونشر المعلومات حول هذه اللغة الحية الرائعة. فضاء حيث بإمكانك أن تتعلم، وتتصل، وتتفاعل. [تبدو ترجمة مختصر التسمية إلى العربية غير موفقة فهي “مملة”، (م.ل.ل)؛ لكن، مهلاً! إنها “الملل والنحل” التي يعيشها ’لبنان‘…]

يقول المعهد أن المحفز الأساس وراء هذا المشروع كان انتشار الإتصالات العالمية، خاصة ’الإنترنت‘، حيث الحاجة أضحت واضحة لنظام موحد، على أساس لاتيني، يعبر عن اللغة اللبنانية؛ بما أن الشعب اللبناني، خاصة في الشتات، لا يستخدم نظاما كتابيا موحداً ليعبر عن لغته المحكية، فإن من أولى مهام ’م.ل.ل‘ كانت وضع ألفباء موحدة على أساس الحروف اللاتينية. يطلق المعهد على هذا النظام تسمية ’الحروف اللاتينية اللبنانية‘ (ح.ل.ل) The Lebanese Latin Letters (LLL) –أعجتني هذه الثلاثية من الحرف في مختصر التسمية الإنكليزية ، فبالإمكان، أيضاً، تسميته: 3L، بحسب “صرعة” التسميات الدارجة التي “تصرع” الإنسان وتريح اللسان. [منها ما ينضح بمفاهيم قد تكون خطيرة مثل: “FOXP2″، “الجينة” الوراثية، المسماة:”جينة اللغة”. “VMAT2”: ’جينة الإله‘ (God Gene)؛ “الجينة” التي تجعل الإنسان متديناً، كما يدعي ’دين هامِر‘ Dean Hamer، في كتابه (2005): “’جينة الإله‘: كيف أن الإيمان موصول (تركيبياً) في جيناتنا”[16]. ما زالت الأبحاث جارية على ما يحمله “الجينوم” البشري من “جنيّات البراري” التي قد تبرّر للبعض ما يدعون، أو تصيب البعض بمس من “جنون”…]

إن تحرير النصوص على الموقع ’م.ل.ل‘ هو بتاريخ 2011، (هو ليس تاريخ تصفح الموقع)، وبما أن المعهد عمل لمدة عشر سنين لتطوير وسائله للحفاظ على اللغة اللبنانية، فهو بدأ مشروعه، على ما يبدو، في العام 2000 تقريباً. وأيضا، يعمل، منذ أعوام، على تجميع البيانات المتعلقة بقواعد اللغة وبمفرداتها وسيضع قاموساً مباشراً على الشبكة العنكبوتية، ومشاريع أخرى ستمتد إلى الكتابات الأدبية اللبنانية وحتى الأغاني! المتحدثون باسم المعهد يقولون: نحن فخورون بميراثنا اللغوي ونعمل على الحفاظ عليه.

إنه لجهد مشكور، بغض النظر عن المواقف الفكرية تجاهه أو الإيديولوجية، لكن الزمن هو الكفيل بالحكم؛ إذ أن مستقبل التكنولوجيا لا يمكن التنبؤ به إلا بالميل، ولو قليلاً، إلى شيء من الخيال (العلمي)..!

ما هي اللغة؟ لست أدري! هي هذه: ما أتحدث به، ما أحكيه. كيف أسأل ما هي اللغة، وهي مملكتي؟ إن التفكير في اللغة معقد لا بل شديد التعقيد، كمن يفكر في التفكير (أو يتوهّم أنه موهوم) في مسار دائري “يتلَوْلب” صعوداً أو هبوطاً. (فلنتذكر “الجمعية الباريسية لعلم اللغات” Société de Linguistique de Paris، العام 1866، عندما عملت على تحريم البحث وتقديم النظريات، “الحكايات” الجوفاء، حول أصل اللغات وتطورها؛ بالطبع، الأحوال تغيرت منذ ذلك الزمن). منهم من يفرق بين اللغة وبين ما أحكيه، ليقول أنه ليس باللغة بل هو الكلام أو بتعبير أدق هو اللسان، وما يتبعه من “لسانيات” و”ألسنية” ومن ثم “سيميائية” و”سيميولوجيا” (علم الإشارات)، مثل اصطلاح أن الكلام “اسم” و”فعل” و”حرف” الذي يعود على ما يبدو إلى تقسيم ’أرسطو‘ للكلام في كتابه “البلاغة” Rhetorics—الأمر الذي قد يرفضه بعض نحويي اللغة العربية وفقهائها ويردوه إلى الإمام ’علي‘— أو أن الكلام “نثر” و”شعر”؛ وكنت أتحدث نثراً، وما زلت، دون علم، وما كنت أدري من قبل ما النثر ولا الشعر! بل كنت أتلعثم! وحُلت عقدة من لساني ففقهوا قولي! «قال أحد النقّاد، بعبارة لا تخلو من البراعة: «تخبرنا السيميائية عن أشياء نعرفها، لكن بلغة لن نفهمها أبداً»»[17].

خطر في البال ’جبران خليل جبران‘، عندما قال: «لكم لغتكم، ولي لغتي» (الاقتباس من الذاكرة، أرجو أن لا أكون مخطئاً). وهل توجد لغة من غير …ـكم أو من غير …ـي؟ لغة دون أن تكون لغتكم أو لغة دون أن تكون لغتي؟ أم أن اللغة موجودة في عالم “المثل” الأفلاطوني؟ هذا العالم الأفلاطوني، ليس الذي هو عالم الخير والجمال وكل المطلقات فحسب، بل الذي انبثق منه حتى العالم الفيزيائي، بكل ما تحمل الكلمة “الخالدة” من معنى! هذا ما صرّح به أستاذ كرسي الرياضيات في “جامعة أوكسفورد”، ’روجر بنروز‘ Roger Penrose، عند معالجته لأعوص المسائل التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها، وربما الكون: فيزياء الكوانتم والنسبية وطبيعة العقل وارتباطه بالعالم الفيزيائي، في كتاب: “فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين”. إذ أنه ومعه معظم الرياضيين أو الفيزيائيين الرياضيين في العالم—بحسب اعتقاده—يفضلون التفكير في العالم الفيزيائي باعتباره ناشئاً من عالم الرياضيات الأبدي، أي: “العالم الأفلاطوني”.[18] أجل! هو بعينه، عالم القرن الخامس–الرابع قبل الميلاد، عالم الأفكار المطلقة، والمثل، الذي أستمد ’أفلاطون‘ فكرته عنه، منه [حلقة مفرغة على طريقة ’بليز باسكال‘ Blaise Pascal (1623-1662) في “خواطره”—وهو “الرياضي” الذي لا يُستهان به وأيضاً “فيزيائي” وفيلسوف وكاتب فرنسي: «[…] فالحواس تخدع العقل بمظاهر كاذبة. وهذا الخداع نفسه الذي تهيئه للعقل تتلقاه منه بدورها: فهي تتأثر منه به»[19]]؛ أي أن  الأفكار تأتينا من عالم الأفكار المطلقة، ومن أين أتتنا فكرة: “عالم الأفكار المطلقة”؟ أيضاً، يا ترى، من عالم الأفكار المطلقة؟!

ويناقش ’بنروز‘ في موضع آخر:

«لقد أدخل ’بوبر‘ Popper عالماً ثالثاً يسمى عالم الثقافة […]، وهو يرى أن هذا العالم نتاج العقلية [العقل الإنساني]، ومن ثم فقد كان لديه سلسلة تدرجية من العوالم […]، يرتبط العالم العقلي، بطريقة ما، بالعالم الفيزيائي (وقد يكون أيضاً نشأ منه)، وإلى حد ما، نشأت الثقافة من العقلية.

[…]. […] بدلاً من التفكير، كما فعل ’بوبر‘، في أن الثقافة قد نشأت من عقليتنا [“العالم الثالث” عند ’بوبر‘ هو من منتجات “العقلية الإنسانية” بما فيه من أعمال فنية ونظريات علمية… وبالطبع اللغة]، أفضّل أن أعتقد أن العوالم متصلة بعضها ببعض […]. بالإضافة إلى ذلك، فإن «العالم الثالث»، الذي سبقت الإشارة إليه هو حقاً عالم الثقافة، لكنه عالم المطلقات الأفلاطونية، خاصةً الحقيقة الرياضية المطلقة.»[20]

لم يقدم جديداً، ’روجر بنروز‘، على ما يبدو، في قوله بأن “العالم الثالث” الذي أدخله ’كارل بوبر‘ Karl Popper (1902-1994) هو “عالم المطلقات الأفلاطونية”:

«كذلك برهنت الفكرة الكلية عن «العالم الثالث»—ميدان «المعرفة الموضوعية»—عن عدم جاذبيتها للعديد من الإنتقادات الحديثة؛ إذ يتضح أن للفكرة ملامح أفلاطونية بلا شك.»[21]

لكن ما يشفع لعقولنا هو إقرار ’بنروز‘ بأن المسائل برمتها هي ألغاز بألغاز، مثلما أورد، فيما أتى عليه من ألغاز عديدة، أن:

«الرياضيات—التي تبدو وكأنها تتحكم في عالمنا الفيزيائي—تُعتبر مثمرة وفعّالة على نحو استثنائي، ببساطة بوصفها رياضيات. وأنا شخصيًّا، أنظر لهذه العلاقة كلغز عميق».

أين هي البساطة من اللغز العميق! حتى أن مفردات “اللغز” التي يستخدمها ’بنروز‘ هي ليست، على ما يبدو، من ألغازه “الشخصية العميقة”، بل هي من ألغاز ’كارل بوبر‘ نفسه:

« العلم لا يحلّ جميع ألغاز الكون، ولا يعِد، أبداً، بحلها؛ بالرغم من قدرته، أحياناً، على إلقاء بعض الضوء، غير المتوقع، حتى على أعمق ألغازنا وربما غير القابلة للحل.»[22]

Science does not solve all riddles of the universe, nor does it promise ever to solve them. Nevertheless it can sometimes throw some unexpected light even on our deepest and probably insoluble riddles.

«كل النظريات العلمية هي تخمينات، حتى تلك التي قد تخطت، بنجاح، العديد من الإختبارات الصارمة والمتنوعة» (’كارل بوبر‘)[23]

All scientific theories are conjectures, even those that have successfully passed many severe and varied testes.

وأصدق القول أنني عند الإطلاع على كتاب ’روجر بنروز‘—هو في الأصل محاضرات—كان في النفس شيء من الإمتعاض وفي الرأس تتردد كلمات، كلازمة في أغنية أو فكرة وسواسية: (بالعامية) “ما بيعرف يحكي! ما بيعرف يحكي!”

يبدو أنه لم يأخذ من “العوالم الأفلاطونية” سوى “الرياضيات”! أو أن ’أفلاطون‘ لم يهبني، من علياء عالمه، قدرة فهم لغز لغة العلم والفلسفة. وبالتأكيد، ليس لغة الرياضيات! أما الفهم العام! فمسألة فيها وجهة نظر.

اللغز، في “العربية”، لا يخرج عن كونه “لغة/كلام”، فهو—قاموسيا—ما يُعمّى المراد به من الكلام أو ما كان ملتبساً مشكلاً. والألغاز، في “اليونانية”، التي هي أصل كلمة “enigma” (“αἴνιγμα”) في العديد من اللغات، لا تخرج عن كونها كل ما يحتاج “التأويل” من القول الحامل للرسائل الخفية؛ وقد كان ما يميز شعراء اليونان العظماء، في مرحلة ما وباعتبار البعض، هو ما تحمله لغتهم من فائض في الألغاز (αἰνίγματα) والرموز، لا يتنبّه لما فيها من إشارات وكثافة في المعاني سوى المتمكن من حل “شيفرتها”. الأمر الذي لم يعجب ’أرسطو‘ وأعتبره “خللاً” في الأسلوب، ووضع “اللغز”، في ما يحمله من عدم وضوح، على قدم المساواة مع “البربرية” (barbarism)؛ وهو ما يحط باللغة اليونانية إلى مستوى الهذر. لذلك نظر إلى ما يحمله “اللغز”، في أعماقه، من حكمة وحقائق خفية على أنه مجرد هراء، وتأويله، من قبل المتلقي أو القارئ، هو مضيعة للوقت[24].

الغريب، العجيب—كأن مراحل الأدب تعيد نفسها وليس التاريخ فقط—أن عصراً من عصور الشعر الفارسي، وهو القرن الخامس عشر، (لم يكن من أدب نثري يُذكر في هذه الفترة)، قد صنّفه الدكتور ’محمد رضا شفيعي كدكني‘ تحت عنوان يدل على المرحلة: «العصر التيموري: عصر الألغاز والتصنع والتكرار». هكذا! إذ «كانت الألغاز والأحاجي في هذا العهد هي الجزء الأصلي للفن الشعري»، و«إن اللغز والأحجية كانا يمثلان أعلى أشكال الفن الشعري في ذلك العصر». كان يتم استخراج الألغاز والأحاجي من شعر العظماء من الشعراء السابقين (على الرغم من عدم وجودها أصلاً، ربما!) لحلها ووضع التفاسير التي تؤولها. «اللغز نوع من الشعر الموزون للغاية في ميزان الذوق وتميل إليه الأذواق السليمة كثيرا»؛كان هذا هو لسان حال ذلك العصر من الأدب الفارسي.

واللغز، في “الإنكليزية”: “riddle”، هو على ارتباط وثيق بمفهوم “القراءة” وفعلها الإنكليزي: “read”، إذ أن اللفظتين تعودان باشتقاقهما إلى أصل واحد، هو: “rǣd”، في اللغة “الجرمانية” Germanic، الذي كان يحمل في معانيه: “تأويل الأحلام والألغاز”، المعنى الذي ما زال مستمراً في اللفظة الإنكليزية الثالثة: “rede”، المشتقة من نفس المصدر “الجرماني” (حتى أن لفظ “read” و”rede” هو نفسه ولا يميزهما سوى التهجئة في الكتابة). لكن—الحمد لله—الألغاز لم تعد قاتلة كما كانت ألغاز ’أبو الهول‘ Sphinx.

وقد تبدّت في سيرة الفيلسوف ’كارل بوبر‘، في سنين مراهقته، حيرة الكلمات في اللغة، عندما لَغِم[25]، «وعندما أبدى اعتراضه [لوالده] على مطابقة المعاني للكلمات» ، مما أدى به «[…] إلى القول باستحالة البرهنة على الكلمات وعلى معانيها، لأن مثل هذه البراهين خادعة وغير هامة»، «حتى أنه عندما حاول أن يقرأ أعمال «سبينوزا»—بعد سنوات من هذه الواقعة—وجدها مليئة بالتعريفات التعسفية، وانتهى به الأمر إلى القول:

«يجب أن لا نترك أنفسنا نهبا للوقوع في مشكلات خطيرة حول الألفاظ ومعانيها. […].»»[26]

لغة، لغز لُغَيزاء، لغو لاغِيَة، لَغْب لَغيب، لَغَط، لَغْلَفة، لَغْلَغة، “لُغْن ضالّ مضلّ”؛ قافلة تسلب اللغة المعاني من الكلمات وتفسدها.

ليس من لغة دون أن تكون “لغة+نا” أو “لغة+هم”. أنا لا أحكي لغة، بل لغتي، لغتنا، وقد أحكي لغتك، لغتهم. قال الإمبراطور ’شارل‘ (’كارل‘، ’شارلكان‘) الخامس Charles V (Quint) (إمبراطور الغرب 1519-1556): «أتحدث “الإسبانية” مع ’الله‘، “الإيطالية” مع النساء، “الفرنسية” مع الرجال و”الألمانية” مع حصاني.»[27] “كل لسان بإنسان”. لغة ⇐ إنسان، لأن: لا لغة إلا “لغة+إنسان”. بعبارة أخرى، فضفاضة: لا لغة من غير من يلغو بها، سواء كان إله أو الملاك، حيواناً أو الجان، أو حتى الشجر والحجر، (الحاسوب، “الروبوت”…)؛ لكل لغته، أما لغتي، فأنا مليكها ومبدعها.

هل من لغة فرعونية، مصرية قديمة؟ هل من لغة سومرية؟ إن تحديد لغة ما، وإن كانت غير مفهومة من قبل الآخرين، بحاجة إلى “ذات” تتحدثها. إن هذه الذات تعيش في زمان ما، وأيضا في مكان. عند ملاحظة الشروع في انقراض اللغات—تهديد بالإنقراض أو إنذارات قرع أجراس ’الأمم المتحدة‘ (’يونسكو‘)؛ ما يقارب نصف لغات العالم (من أصل 6000 لغة محكية) مهددة بالإنقراض[28]—نجد أن عدداً ضئيلاً جداً من المتحدثين بها، في زمان ما وحيز من المكان، ما زالوا على قيد الحياة. وعلى هذا الأساس، قد يكون الموقف، على سبيل الإفتراض، أنه لم يعد يتحدث بهذه اللغة سوى “ذات” واحدة، بموتها تنقرض اللغة.

هل ينطبق على اللغة أن تكون ملقاة هناك، موجودة بحد ذاتها في حيز ما؟ فإن ما هو موجود هناك—العالم الموضوعي—كان قبل وجودي—العالم الذاتي—وسيبقى من بعدي. اللغة التي أتحدثها، التي هي لغتي، كانت قبل وجودي، وستستمر من بعدي؛ سيبقى من يتحدثها، مع الإحتمال القائم بانقراضها. هي تشترك مع الأحياء بصفة وجودها؛ هي ليست تماماً موجودة هناك، مثل أي جبل أو محيط أو حتى ذرة. بالإستطاعة القول، على سبيل المقاربة، أن اللغة كانت تعيش قبلي، وستستمر في حياتها بعدي، لكن موتها ليس بمستحيل. هذا اليقين الذاتي، البديهي، قد يعمم ليتحول إلى أن اللغة كانت موجودة قبل الذات التي تتحدثها وستستمر في وجودها إلى ما بعد وجود هذه الذات. وكأن هذا التعميم البديهي رنين الصدى لمؤسس علم اللغة الحديث، ’فردينان دو سوسور‘ Ferdinand de Saussure، إذ «تشير اللغة إلى منظومة القواعد والاصطلاحات المستقلة عن الأفراد الذين يستعملونها، وتوجد قبلهم. ويشير الكلام إلى استخدام اللغة في تحقّقات خاصة.»[29] «اللغة دائماً إرث من الماضي»، وليس لمستخدميها «إلا القبول بها».[30]

الورطة هنا، هي: نقطة البداية. فلو عدنا، إفتراضاً، إلى الذات الأولى، فكيف كان الحال؟ البداهة تقول أنه لم يكن هناك من لغة لأن أي لغة بحاجة إلى “ذات” في “زمان” و”مكان”. كيف السبيل إلى حل هذه المعضلة؟

لكن ’فرعون‘ [’پْسامْتيك‘ الأول Psamtik I (663-609 ق.م.) ابن نخاو. أسس السلالة 26. استعان بالمرتزقة الاجانب للسيطرة على كل البلاد وفتح مصر للتجار اليونان. يُكتب اسمه بالفرنسية: Psammétik] عرف بعد تجربة—على ذمة الراوي، ’هيرودوتوس‘ (484؟-425؟ ق.م) Herodotus—أن اللغة تنطلق من الذات عند عزلها عن العالم، بانتظار اللفظة الأولى التي تنطق بها، حيث كانت المفاجأة أنها لم تكن من “لغة الفراعنة” [مما يدل على حيادية المجرب، ’فرعون‘، ونرجسية الراوي، ’هيرودوتوس‘، أو “شوفينيته” chauvinism، ربما!]، ليتيقن بعدها أن لغة المصريين القدماء ليست هي اللغة الأولى والأقدم أو اللغة الفطرية، بتعبير آخر: السليقة اللغوية، كما يسميها البعض. أعتقد أن ’فرعون‘ قد حلّ هذه المعضلة أو بالأحرى لم تكن من معضلة قائمة في منطلقات تساؤلاته، فهو قد اجرى تجربته على أساس أن اللغة تنطلق من الإنسان بحد ذاته، وإلا لم يكن من مبرر لتجربته أصلاً؛ وإن لم يكن الحال هو ما كان عليه، فإن الفضول قد يكون هو الدافع للتجربة. أهم ما في الأمر أن نتيجة التجربة الفرعونية الأسطورية—وللأساطير مغاز وألغاز— كانت أن “الذات” المعزولة قد نطقت بلغة ما، على وجه التحديد: اللغة “الفريجية” Phrygian! إحدى اللغات الهندو-أوروبية في تصنيفنا الحديث، والتي بادت بعد أن كانت منتشرة في ’آسيا الصغرى‘.

وبناء عليه، لا بد أن “الذات الأولى” قد نطقت لغتها الفطرية قبل أن “تتهوّد” أو “تتمجّس” أو حتى “تتفرعن”. كنت أتمنى لو أنها كانت اللغة العربية، مثلاً؛ لكن التجربة هي التجربة. جفّت الأقلام وطويت الصحف. وحُنّط ’فرعون‘، وتوارثت الأجيال ما جرّبه. لكن، يبدو أن الفراعنة لا يرثهم سوى “الملوك”!

إمبراطور ’المانيا‘، ’فردريك الأول‘ (بَرْبروس، في “الفرنسية”: Barberousse) (1122-1190)، المدفون في مدينة ’حيرام‘، ’صور‘ اللبنانية، بعد غرقه في ’قيليقية‘ (Cilicia، من “اليونانية”: Kilikia) أثناء الحملة الصليبية الثالثة، حفيده، ملك ’صيقليا‘، الذي أصبح، فيما بعد، إمبراطوراً جرمانياً، ’فردريك الثاني‘ (1194-1250)، المقاوم للبابوية والذي اشترك بحملة صليبية (1229) على الرغم من “حرمانه كنسياً” (excommunicant)، الواسع الثقافة والملم بالعربية والذي يقال أنه كان ميالا إلى ’الإسلام‘[31]، حاول في العام 1200 القيام بتجربة ’فرعون‘ (’پْسامْتيك‘)، «رغبة منه في الوقوف على سر ذلك اللغز الغامض». بعد ذلك، وصلت التجربة إلى «جيمس الرابع ملك اسكتلندا سنة 1500 متخذا من نفس المحاولة الفاشلة وسيلة تهديه إلى كيف نشأت اللغة، وكيف نطق الإنسان الأول»[32]. يبدو أن التجربة، في أساسها، “ملوكية”! فمن له سلطة على رقاب البشر ومصيرهم [الله ينجينا!] سوى الفراعنة أو الأباطرة أو الملوك؟ ومنا من يسأل الله أن لا يعرضنا للتجربة! فبعض التجارب من ’الشرير‘.

قد تموت الألفاظ في اللغة وتدرج، أي تخرج من دائرة التداول، حتى أن البعض قد أطلق على هذه الألفاظ البائدة: “الكلمات الأحفورية”. إنها الكتابة؛ قد “أحفرت” اللغة، فجعلت ألفاظها “أثراً بعد عين”، أو في هذا المقام فإن المقال: “أثراً بعد أذن”.

إن لم تدرج الألفاظ وحافظت على شيء من عتقها، عبر آلاف السنين، فهي: “الآثار المتحجرة”، “fossilized tracks”، للهجرات الجماعية في غابر الأزمان، وهي العلامات التي تدل على كيفية إنتشار البشر، على وجه البسيطة، الذين انتهى بهم المطاف في الأماكن حيث هم موجودون اليوم![33]

«إن اللغة العربية كغيرها من كافة لغات العالم مكونة من طبقات شبيهة بالطبقات الجيولوجية، التي اندمجت وتكاملت مع نفسها، وانصهرت في هذه البوتقة، وخرجت منها هذه اللغة التي نسميها اللغة العربية»[34].

“اللغات شبيهة بالطبقات الجيولجية”، هي نظرة وردت في مقدمة كتاب، منع من التداول في مصر، العام 1981، للدكتور ’لويس عوض‘:”مقدمة في فقه اللغة العربية”.

الصدمة، إن جاز التعبير، أو المفاجأة، كما قد يفاجأ المنقب عن الأثر، أن تحت الطبقات ما تحتها! “هذه اللغة التي نسميها اللغة العربية” ليست اللغة العربية! بل هي اللغة العربية التي خرجت من طبقات جيولوجية اندمجت، ثم تكاملت مع نفسها، ثم انصهرت في بوتقة. الأمر ليس هشاشة في تماسك الأفكار وصياغة التعبير، بل تبدو أنها “ضربة معلم” من صائغ (للنظريات) ماهر، مصري، قبطي، متقن لعمله؛ إذ أن كتابه «موسوعة فكرية ولغوية ضخمة، واختراقٌ قويٌ لعوامل العزلة والجمود التي تفصل بيننا وبين عهود ازدهار الفكر والحضارة العربية..»[35]. والله يحب، من المرء، أن يتقن عمله.

«[…]. واللغة العربية لم تصبح من فصيلة اللغات الهندية والأوروبية بسبب هذه التأثيرات الحضارية الوافدة من الخارج [الفرس واليونان والرومان وبيزنطة]، فالقضية التي حاولتُ [د. ’لويس عوض‘] طرحها وإثباتها في هذا الكتاب [“مقدمة في فقه اللغة”] هي أن صلب اللغة العربية ذاته كان من نفس الشجرة التي تفرعت عنها المجموعة الهندية الأوروبية حتى قبل هجرة العرب من موطنهم القوقازي إلى شبه الجزيرة التي تحمل الآن اسمهم. وبالتالي، فإن ما نجده من عناصر غير هندية أوروبية هو الدخيل وليس صلب الأصلاب»[36].

العرب ليسوا العرب! وما ليس بهندي أوروبي فهو دخيل! [(بالعامية:) “دخيل الله!”] ليتها لم تكن “الكلمات الأحفورية” ولا “الطبقات الجيولوجية”… وكانت نسياً منسيا. إنها ضربة موجعة في “صلب الأصلاب”!

«[…]. […] وهذه إذن هي التراكمات السلالية والحضارية واللغوية التي ينبغي أن تدخل في التقدير عند الكلام عن العرب ولغتهم، وهي أشبه شيء بالطبقات الجيولوجية التي لها نظائر في تاريخ كل أمة من الأمم. […]»[37].

وعلى ما يبدو فإن كون العرب من الجنس القوقازي (الآري) هي مسألة سبق أن أتى عليها “العلّامة”، ’سير آرثر كيث‘ Sir Arthur Keith، الذي أنصفه الدكتور ’لويس عوض‘ في كتابه بعد مناقشة وعرض لنظريته إذ يقول:

«غير أن من الإنصاف أن نقول أن نظرية ارثر كيث في وحدة اللغة الآرية والجنس الآري، الذي يسميه بلغة علماء الإنثروبولوجيا، الجنس القوقازي، لم ترادف تماماً ما بين الجنس واللغة، فهو حين يتحدث عن العرب مثلاً يصفهم بأنهم أقوام قوقازية تتكلم لغات سامية. ولكن التطابق بين التوزيع السلالي والتوزيع اللغوي بين البشر هو عنده [’آرثر كيث‘] السمة العامة للمجتمع الإنساني.

هذه النظرية قد تكون أو لا تكون صحيحة. […]، فالاتجاه السائد اليوم بين علماء اللغة هو الفصل التام بين توزيع الأجناس وتوزيع اللغات باعتبار أن كلا منهما يتبع قوانين مختلفة، […][38]».

وهذا “العلّامة”، ’سير آرثر كيث‘، «هو من أعظم الثقاة في علم الأجناس في فترة ما بين الحربين، حاول وهو في قمة مجده العلمي أن يجدد شباب نظرية ماكس مولر [Max Müller (1823 – 1900)]، لا على الأساس الفيلولوجي الذي ركز عليه مولر، ولكن على الأساس الأنثروبولوجي»[39].

وهكذا، يا سادة، يا كرام، بين أساس فيلولوجي، وأساس أنثروبولوجي، ضاعت الأسس وتاه العرب، لغة وجنسا!

[“توته، توته، خلصت…، عفواً…، بدأت الحدوته”]


([1]) ظاءرت: اتخذت ولداً ترضعه

  ([2]) المرجع:

Pinker, Steven (1994) The Langauge Instinct – The New Science of Language and Mind. Peguin Books. Pg. 256


([3]) المرجع:

UNESCO (2011) Atlas of the World’s Language in Danger (UNESO Project). Pg. 11


([4]) القَيْظِيّ: ما نُتِجَ في القَيْظ.

([5])كدكني، د. محمد رضا شفيعي (شاعر وناقد وأستاذ جامعي إيراني): الأدب الفارسي منذ عصر الجامي وحتى أيامنا. ترجمة: بسام علي ربابعة. سلسلة عالم المعرفة (الكويتية)، العدد 368، أكتوبر 2009. ص37

([6])عبد المنعم، د. محمد نور الدين 1977 اللغة الفارسية، سلسلة كتابك 42 مصر – دار المعارف

([7]) كدكني. مرجع سابق. ص24

([8]) كدكني. مرجع سابق. ص34-36

([9])كمشاد، حسن: النثر الفني في الأدب الفارسي المعاصر. ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992. ص 25

([10]) كدكني. مرجع سابق. ص38

([11]) الشيسيتي، نعيمة: التصوير الإسلامي التركي. “عالم الفكر” (الفصلية الكويتية) المجلد 16 العدد 3 سنة 1985 الرمز والأسطورة

([12]) زيدان، جرجي 1886: الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية، وهي رسالة تتضمن بعض الملاحظات على اللغة العربية وعلم اللغة. بيروت، مطبعة القديس جاورجيوس.

([13]) مرجع سابق:

Pinker, Steven (1994) Pg. 127

([14]) الجارم، (القاضي بالمحاكم الشرعية) محمد نعمان 1923 ط1 أديان العرب في الجاهلية. مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر. ص127

([15]) مرجع سابق:

Pinker, Steven (1994) Pg. 18 & 188

([16]) ’دين هامر‘ هو عالم وراثة، ومدير:

“Gene Structure and Regulation Unit at U.S. National Cancer Institute”.

كتابه:

“The God Gene: How Faith is Hardwired into our Genes. Anchor Books”


([17]) تشاندلر، دانيال: أسس السيميائية. ترجمة: طلال وهبة. المنظمة العربية للترجمة 2008 ط1. ص42

DANIEL CHANDLER 2007 (2nd ed) Semiotics, The Basics (2002 1st ed)


([18]) بنروز & شيموني & كارترايت & هوكنج: فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين. ترجمة: عنان الشهاوي. أبو ظبي – دار كلمة & القاهرة – دار كلمات عربية 2009 ط1. ص22

PENROSE, ROGER & SHIMONY, ABNER CARTWRIGHT, NANCY & HAWKING. STEPHEN 2007 (7th Printing) The Large, the Small and the Human Mind. Cambridge University Press. (1997, 2000)


([19]) باسكال، بليز: خواطر باسكال. ترجمة: ادوار البستاني. بيروت، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع. 1972. ص40، الخاطرة رقم 83

([20]) بنروز & شيموني & كارترايت & هوكنج. مرجع سابق. ص113

([21]) نفادي، د. السيد: “إتجاهات جديدة في فلسفة العلم” في “عالم الفكر” (الفصلية، الكويتية) المجلد 25 العدد 2 العام 1996، تيارات فكرة جديدة. ص95

([22]) إقتباس من محاضرة ’كارل بوبر‘ بعنوان:
“Natural Selection and the Emergence of Mind” (الإنتخاب الطبيعي وانبثاق العقل)،
التي ألقاها في ’معهد داروين‘، ’كامبردج‘، في 8 نوفمبر (كانون ثاني) من العام 1977

([23]) المحاضرة السابقة

([24]) راجع: ’ستراك‘ (2004) “مولد الرمز”:

Struck, Peter T. (2004): Birth of the Symbol – Acient Readers at the Limits of Their Texts. New Jersey: Princeton University Press


([25]) استخبر عن الشيء لا يستيقنه

([26]) قاسم، محمد 1986 كارل بوبر – نظرية المعرفة في ضوء المنهج العلمي. الإسكندرية – مصر، دار المعرفة الجامعية. ص23-24
المصدر الذي اعتمده:

Popper, Karl: Unended Quest, An Intellectual Autobiography. Fontana/Collins, 1976, 6th imp. 1982


([27]) المرجع:

Crystal, David (2009) Just a Phrase I’m Coing Through – My Life in Language. N.Y., Routledge. Pg. 35


([28]) مرجع سابق:

UNISCO (2011). Pg. 4

([29]) تشاندلر، دانيال. مرجع سابق. ص39

([30]) تشاندلر، دانيال. مرجع سابق. ص67

([31]) قاموس المنجد في اللغة والأعلام

([32]) أنيس، د. إبراهيم (1984 ط5) دلالة الألفاظ. القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية. ص13-14

([33]) Pinker, Steven 1994 مرجع سابق. ص246

([34]) عوض، لويس 2006 ط1: مقدمة في فقه اللغة العربية. القاهرة – دار رؤية للنشر. ص8-9 (المقدمة)

([35]) المصدر نفسه ص6 (المقدمة)

([36]) المصدر نفسه ص62

([37]) المصدر نفسه ص62

([38]) المصدر نفسه ص129

([39]) المصدر نفسه ص121